مع ساعات العمل الطويلة في المكتب، والالتزامات العائلية والاجتماعية، والمشاغل المنزلية، تميل النساء العاملات إلى تفادي أي حمية غذائية تتطلب منهن بذل جهد إضافي أو تكريس ساعات لتحضير أطباقها. والواقع أن أغلبية برامج تخفيف الوزن لا تتناسب مع نمط الحياة السريع الذي تعيشه النساء اليوم. فهي لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الكثيرات منا لا يملكن الوقت لإحصاء الوحدات الحرارية الموجودة في كل طبق من الطعام الذي يتناولنه، ولا تتمكن الواحدة من تخصيص ساعات إضافية كل أسبوع لشراء المحتويات الخاصة بوجبات الحمية، ولا ساعات أخرى لتحضير هذه الوجبات وطبخها. ففي الحياة الواقعية، تضطر المرأة الموظفة مثلاً إلى الإسراع في ساعة الغداء إلى أخذ طفلها لزيارة طبيب الأطفال أو طبيب الأسنان، أو للقيام بأي مهمة أخرى. وغالباً ما يدفعها عدم توافر الوقت الكافي إلى تفويت وجبة الغداء بالكامل، أو تناول وجبة سريعة في طريق عودتها إلى المكتب. لذلك، ولمساعدة النساء العاملات الراغبات في تخفيف أوزانهن، قامت اختصاصية التغذية، الأميركية هيثر باور، بوضع دليل خاص يحتوي على نصائح عملية أثبتت التجارب فعاليتها لدى مئات النساء اللواتي تملأ المشاغل حياتهن اليومية. وتقول باور إن افتقار النساء إلى الوقت لا يعني أن عليهن التخلي عن المقاصد الصحية الجيدة، والاستسلام لكل توق إلى تناول الطعام، بل عليهن وضع استراتيجيات تساعدهن على التغلب على إغراءات الطعام، وعلى الشعور بالرضا في الوقت نفسه. وهذا هو بالتحديد التوجه الذي اعتمدته باور في تأليف دليل تخفيف الوزن. وتجدر الإشارة إلى أن الاستراتيجيات الواردة في الكتاب تعتمد على تجربة حقيقية خاضتها "زبونات" باور (ومعظمهن محاميات ومديرات وموظفات) اللواتي كن يقصدنها لتساعدهن على تحسين نوعية نظامهن الغذائي، وعلى التمتع بمزيد من الطاقة، وبالطبع على تخفيف أوزانهن، من دون أن يكون لديهن استعداد، أو قدرة، على إدخال الكثير من التعديلات في نمط حياتهن المتطلب. وعوضاً عن الإصرار على تعديل جداول أعمالهن اليومية، وعلى حذف بعض أنواع الأطعمة من نظامهن الغذائي، لجأت باور إلى تدريب هؤلاء النسوة على التعرف إلى المناسبات والمواقف التي تدفعهن إلى الإفراط في الأكل. كذلك فإنها ساعدتهن على إدخال تعديلات واقعية قابلة للتنفيذ في حياتهن اليومية، بحيث يصبح اختيار الأطعمة الصحية أمراً طبيعياً تماماً. وكانت النتيجة أن أخذت الكيلوغرامات الزائدة في أوزانهن في الاختفاء، من دون عودة.
نستعرض في ما يلي أبرز العوائق التي تقف في طريق المرأة التي تشغلها وظيفتها، أو أنشطتها الاجتماعية، أو واجباتها العائلية والمنزلية، أو جميع ما ذكر، عن تكريس الوقت والجهد الكافيين لاتّباع حمية غذائية معقدة.
1- فترة الصباح قصيرة، وتناول وجبة الإفطار غير وارد:
تعترف ما نسبتهن 40 في المئة من النساء بتفويت وجبة الإفطار بشكل منتظم، إما لتوفير الوقت وإما للتخفيف من مجمل الوحدات الحرارية اليومية، غير أن هذه العادة تجهض الجهود الهادفة إلى تخفيف الوزن. فعدم تناول الطعام صباحاً، يعني بقاء الجسم فترة طويلة من دون وقود، وهذا يدفعه إلى اعتماد أسلوب توفير الطاقة، أي أنه يخفف من سرعة حرقه الوحدات الحرارية. فضلاً عن ذلك فإن تفويت وجبة الصباح يزيد من حدة الجوع في وقت لاحق من النهار. وكانت دراسة نشرت نتائجها المجلة الأميركية للتغذية العيادية، قد أظهرت أن مجموع الوحدات الحرارية اليومية، التي تتناولها النساء تزداد بمعدل 100 وحدة عندما لا يتناولن الإفطار، مقارنة بعددها عندما يأكلن رقائق الحبوب صباحاً.
غير أنه من الصعب إيجاد الوقت الكافي للجلوس، وتناول زبدية من الشوفان المطبوخ بالحليب عندما تكون الأم مضطرة إلى إيصال الأطفال إلى المدرسة، أو إلى بلوغ مكتبها من دون تأخير. وهنا تنصح باور بأخذ تفاحة أو موزة، أو لوح من ألواح الحبوب خفيفة الدهون يمكن تناولها في السيارة. وهذا الحل مناسب للنساء اللواتي لا يشعرن بالجوع صباحاً. وهذه الأطعمة الخفيفة كافية لإطلاق عملية الأيض في الجسم، فهذه الأخيرة لا تحتاج إلى أكثر من ذلك لبداية عملها. ويمكن أيضاً تجهيز وجبة إفطار يمكن تناولها لاحقاً في المكتب. وهناك خيارات عدة صحية منها: شريحتان من الخبز الهش الغني بالألياف مع قليل من زبد الفستق وموزة، أو علبة من اللبن منزوع الدسم مع لوح من الحبوب، أو نصف كوب من رقائق الحبوب (من الأنواع التي تحتوي كل حصة منها على 5 غرامات من الألياف على الأقل) مع علبة صغيرة من الحليب منزوع الدسم.
2- مواصلة العمل خلال ساعة الغداء:
كثيرات من النساء يبدأن عملهن صباحاً، ولا يتوقفن إلاّ مع حلول موعد النوم ليلاً. وإذا كان ذلك يساعدهن على إشباع رغبتهن في النجاح والتقدم مهنياً، إلاّ إنه لا يتلاءم مع إشباع جوعهن البيولوجي. فالمرأة بينهن تضطر إلى ابتلاع غذائها في غضون دقائق معدودة، كي تتمكن من مزاولة عملها بسرعة. والمعروف أن الدماغ يحتاج إلى ثُلث ساعة لتسجيل إشارة الشبع التي تطلقها المعدة. وتناول الطعام بسرعة يؤدي إلى نتائج لا تتماشى مع الجهود الرامية إلى تخفيف الوزن. وكان العلماء الأميركيون في جامعة رود آيلاند قد أجروا تجربة طلبوا فيها من مجموعة من النساء تناول طبق من المعكرونة في أقل من 10 دقائق، وتبين لهم أن مجموع الوحدات الحرارية، التي تناولتها النساء في هذه الوجبة كان يزيد بنسبة 12 في المئة على تناولنه عندما طُلب منهن تخصيص نصف ساعة للأكل. وحتى لو كانت وجبة الغداء عبارة عن حصص محددة، مثل الشطائر، فإن تناولها بسرعة يعني بالضرورة البحث عن المزيد من الطعام في فترة لاحقة. كذلك فإن تشتت الانتباه خلال تناول الوجبة يفوّت فرصة التمتع بها. أما الحل الأنسب هنا فيتمثل في الحرص على تخصيص ما بين 20 و30 دقيقة لتناول الغداء. وإذا تقاطع ذلك مع ورود مكالمات هاتفية أو الاضطرار إلى القيام بمهمات عاجلة، فيجب تفادي مواصلة الأكل أثناء العمل. والأفضل هو تأجيل وجبة الغداء حتى الانتهاء من العمل، كي يصبح في الإمكان التركيز على الطعام.
3- كثرة الأطعمة في مكان العمل:
بين "الكرواسان" الذي يقدم أثناء اجتماعات العمل صباحاً، والكعك والمشروبات الغازية في حفلات أعياد ميلاد زملاء العمل، أو الترقيات، أو المناسبات الأخرى، تتعرض النساء العاملات لإغراءات كثيرة هن في غنى عنها. ولكن من غير الممكن طبعاً التغيب عن جميع هذه المناسبات، ومن غير الممكن الوقوف في وجه ضغوط الالتزامات الاجتماعية التي تحث على المشاركة فيها. وتنصح باور النساء اللواتي يعرفن أنهن سيواجهن صعوبة في مقاومة إغراء هذه الأطعمة، بأن يتناولن وجبة خفيفة صحية قبل الاجتماعات أو المناسبات. ويمكن للواحدة منهن أن تحمل زجاجة ماء صغيرة تسمح لها بشغل يديها بها، وعليها أن تجلس أو تقف في أبعد مكان ممكن عن الأطعمة المغرية. ويكون هذا الأمر سهلاً في الحالات التي يتم فيها تقديم الطعام على طاولة جانبية، فلا أحد ينتبه أو يكترث لما تناوله الآخر. أما في المناسبات والاحتفالات الخاصة، فلا يكون الأمر بهذه السهولة. إذ ليس من اللائق عادة رفض قطعة من كعكة عيد الميلاد. في هذه الحالة يمكن التركيز على المشاركة في الحديث والاحتفال، أكثرمن التركيز على الأكل، ويمكن حتى المساعدة في توزيع قطع الكعك على الموجودين، والانشغال باحتساء الماء. أما إذا كان لابد من أخذ طبق كعك، فيمكن إعادة وضعه برقة على المائدة. ويمكن الاعتذار عن أخذه بالقول إن وجبة الغداء كانت ثقيلة. أما إذا تعذر فعلاً التهرب من تناول الكعك، فيمكن أخذ قطعة صغيرة، لكن يجب احتسابها في ميزانية الوحدات الحرارية اليومية.
4- تواتر مواعيد غداء أو عشاء العمل:
تناوُل العشاء في المطاعم، هو واحد من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى زيادة وزن النساء العلاملات. ومن السهل طبعاً فهم ذلك. فالكثير من أطباق المطاعم التي تبدو صحية، تكون مليئة بمئات الوحدات الحرارية المخفاة. فالطهاة في المطاعم يغرقون السلطات بالزيوت، ويبالغون في حجم الحصص التي يقدمونها للزبائن. غير أن ذلك لا يعني أنه ليس في الإمكان تناول وجبة صحية، لذيذة الطعم وخفيفة الوحدات الحرارية في المطاعم.
وربما كان أبرز المآزق التي يقع فيها متّبعو الحميات في المطاعم، هو اضطرارهم إلى اختيار الأطباق بسرعة أثناء قيام الآخرين بذلك، فلا يتوافر لهم الوقت الكافي للتمعن في محتويات الطبق وللتأكد من أنه يتماشى مع القواعد الغذائية التي يطبقونها. ويتمثل الحل هنا في اتخاذ القرار مسبقاً حول نوعية الطعام الذي سيطلب. فوضع استراتيجية خاصة بالوجبة يحول دون الإفراط في الأكل، ويؤمن القدرة على التحكم في عدد الوحدات الجرارية التي سيتم تناولها. مثال على ذلك، يجب الاختيار مسبقاً بين قطعة الخبز مع الطعام، وثمرة فاكهة طازجة، أو آيس كريم الفاكهة الخفيفة بعد الوجبة. ومن المفيد أيضاً التقرير مسبقاً بشأن الطبق الرئيسي الذي سيتم اختياره. وتكون هذه المهمة سهلة في حالة تناول الطعام في مطاعم معهودة، فيمكن اختيار الأطباق بسهولة. أما إذا تعذر ذلك، فالأفضل هو اختيار طبق بسيط، أو الاكتفاء بطبقين من المقبلات مثل طبق الحساء والسلطة، شرط تجنب أنواع الحساء الغنية بالقشدة، واختيار تلك التي تعتمد في تركيبتها على الخضار. أما السلطات فيجب الطلب من النادل تقديم الصلصة في وعاء جانبي، بحيث يصبح في الإمكان التحكم في الكمية المضافة منها.
وتشير باور إلى أن وجبات العمل في المطعم تشتت الانتباه عن الطعام، نظراً إلى التركيز على الحديث، ما يؤدي إلى فقدان التحكم في كمية الطعام التي تؤكل، وأفضل طريقة لكبح عملية القضم المتهور للطعام، هي الحرص على أخذ فترات راحة خلال الوجبة. ويمكن القيام بذلك عن طريق وضع الشوكة والسكين على المائدة ثلاث مرات على الأقل خلال الوجبة، والتفرغ للإصغاء إلى الحديث، أو المشاركة فيه، أو احتساء جرعات من الماء تساعد على الإحساس بالشبع. ويمكن أيضاً التوجه إلى الحمام في منتصف الوجبة، فهذا سيمنح الدماغ فرصة للتأكد من مستويات الشبع، ما يزيد من سهولة التوقف عن الطعام بعد العودة إلى المائدة.